مميزة

​من هي نسيبة بنت كعب؟ قصة الصحابية التي افتدت النبي بجسدها في معركة أُحد

 في تاريخ الأمم، ثمة نساء لم يكتفين بمشاهدة التاريخ وهو يُصنع، بل اقتحمن ساحاته بقلوب كالزبرجد، وأرواحٍ لا تعرف الانكسار. ومن بين تلك الوجوه الخالدة، تبرز قصة امرأة لم تكن مجرد صحابية، بل كانت جيشاً في امرأة. إليك قصة نسيبة بنت كعب المازنية، الشهيرة بـ "أم عمارة"، التي قال عنها النبي ﷺ في يوم أُحد: "ما التفتُّ يميناً ولا شمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني".

لوحة تمثيلية ملحمية لنسيبة بنت كعب (أم عمارة) تظهر شجاعتها في معركة أُحد وهي تذود عن النبي ﷺ، وصمودها في معركة اليمامة، مع تجسيد لتضحياتها الجسدية وصبرها كأم للشهداء.

الجزء الأول: بيعة تحت جنح الظلام

​تبدأ الحكاية في ليلةٍ من ليالي مكة الساكنة، حين كان الإسلام لا يزال سراً يهمس به المؤمنون في الخفاء. هناك، عند "عقبة" منى، تسلل اثنان وسبعون رجلاً وامرأتان من أهل المدينة لمبايعة النبي ﷺ. لم تكن نسيبة هناك بصفة "تابعة"، بل كانت شريكة في القرار والمسؤولية.

​تلك الليلة، وبيدين ترتجفان من الهيبة وتثبتان من الإيمان، بايعت نسيبة النبي ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره. عادت إلى المدينة، ولم يعد قلبها يسكن بين الضلوع، بل صار يحوم حول مكة، ينتظر اللحظة التي تفتدي فيها هذا الدين بروحها. كانت "أم عمارة" أماً لولدين، عمارة وعبد الله، فكانت تربيهما لا ليكونوا مجرد شباب، بل ليكونوا دروعاً للإسلام.

​الجزء الثاني: يوم أُحد.. حين تزلزل الجبال

​جاء يوم أُحد، وهو اليوم الذي صقلت فيه الأقدار اسم نسيبة بمداد من نور ودم. في البداية، لم تخرج نسيبة لتقاتل؛ بل خرجت كما تخرج النساء في الحروب، تحمل "سقاء" الماء لتسقي العطشى، وتضمد الجراح بخرق من قماش. كانت تراقب الجبل والسهل، وتطمئن لرؤية المسلمين منتصرين في أول النهار.

​ولكن، حين وقعت الواقعة، وانكشف المسلمون بعد مخالفة الرماة لأمر النبي ﷺ، وانقلب النصر إلى هزيمة، ودارت الدائرة على المسلمين، لم تفر نسيبة كما فرّ الكثيرون. رأت النبي ﷺ وقد بقي في شرذمة قليلة، والسيوف والسهام تنصب عليه كالمطر. هنا، وفي لحظة فارقة، ألقت نسيبة "سقاء الماء" أرضاً، واستلت سيفاً كان بجانبها، واعترضت النبال والسيوف بصدرها وجسدها.

​الجزء الثالث: جسدٌ صار ترساً للنبوة

​صارت نسيبة تذود عن النبي ﷺ يميناً وشمالاً. لم تكن تقاتل قتال الخائف، بل كانت تهجم هجوم اللبوة التي تحمي شبلها. يقول ابنها عبد الله: "رأيت أمي وعليها ثوبها الذي تضمد به الجرحى، وهي تحمل السيف وتقف أمام رسول الله ﷺ".

​في تلك المعركة، رأت نسيبة رجلاً من قريش يدعى "ابن قميئة" وهو يصيح: "دلوني على محمد، لا نجوتُ إن نجا!". فاعترضت طريقه، وضربته بضع ضربات، لكنه كان يلبس درعين، فضربها بضربة منكرة على عاتقها (كتفها) تركت جرحاً غائراً ظلّ ينزف سنة كاملة. لم تئن نسيبة، ولم تتراجع، بل كانت تبتسم للنبي ﷺ وتقول: "ادعُ الله أن نرافقك في الجنة"، فقال لها ولأهل بيتها: "اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة". في تلك اللحظة، قالت نسيبة كلمتها الخالدة: "ما أبالي ما أصابني من الدنيا بعد هذا".

​الجزء الرابع: اختبار الأمومة.. ثمن العهد

​لم تكن تضحية نسيبة بجسدها هي الاختبار الوحيد. ففي سنوات لاحقة، أرسل النبي ﷺ ابنها "حبيب بن زيد" برسالة إلى مسيلمة الكذاب (مدعي النبوة). وهناك، تعرض حبيب لأبشع أنواع التعذيب؛ كان مسيلمة يقطع جسده عضواً عضواً وهو يسأله: "أتشهد أن محمداً رسول الله؟" فيقول: نعم، فيقول: "أتشهد أني رسول الله؟" فيقول: أنا أصم لا أسمع.

​استُشهد حبيب وهو مقطع الأطراف، ووصل الخبر إلى الأم الصابرة. لم تشق ثوباً ولم تلطم خداً، بل قالت: "من أجل هذا أعددته، وعند الله أحتسبه". وأقسمت ألا يهدأ لها بال حتى تشارك في قتل مسيلمة الكذاب بيديها.

​الجزء الخامس: اليمامة.. الوفاء بالوعد والموت في ساحة المجد

​مرت السنون، وتوفي النبي ﷺ، واندلعت حروب الردة. وجاءت معركة اليمامة الفاصلة ضد مسيلمة الكذاب. لم تكن نسيبة وقتها شابة، بل كانت قد تجاوزت الستين من عمرها. ومع ذلك، خرجت في مقدمة الجيش مع ابنها عبد الله بن زيد.

​في أرض اليمامة، كانت نسيبة تبحث عن مسيلمة بين الصفوف كما يبحث الصقر عن فريسته. أُصيبت في تلك المعركة باثني عشر جرحاً، وقُطعت يدها وهي تقاتل، لكنها لم تتوقف حتى رأت مسيلمة صريعاً بضربة من وحشي بن حرب وطعنة من ابنها عبد الله. سجدت لله شكراً، فقد برّت بقسمها، ووفّت بعهدها الذي قطعته تحت جنح الظلام في مكة قبل سنوات طويلة.

​الجزء السادس: رحيل الجسد وبقاء الأثر

​عادت نسيبة إلى المدينة بذراع واحدة، وجسدٍ محفور بالندوب والجراح، كل جرح فيه يحكي قصة وفاء. عاشت ما بقي من عمرها وهي مثالٌ للمرأة التي لم تطلب من الإسلام حقوقاً قبل أن تقدم له دماءها. كانت نسيبة مدرسة في السياسة، والتمريض، والفروسية، والأمومة.

​توفيت نسيبة بنت كعب عام 13 هـ، ودُفنت في البقيع، لكن ذكراها ظلت ترفرف فوق جبل أُحد وفي كل بقعة يُذكر فيها اسم البطولة. لم تكن مجرد امرأة في تاريخ، بل كانت "تاريخاً" في صورة امرأة.

​الخاتمة: لماذا نسيبة؟

​في زمننا هذا، نحتاج أن نستحضر روح نسيبة؛ ليس لأنها كانت تقاتل بالسيف، بل لأنها كانت تملك "وضوح الغاية". لم تكن تتردد بين الدنيا والآخرة، ولم تكن تضع أعذاراً بكونها امرأة أو أماً أو مسنة. كانت ترى أن الحق يحتاج لصدور تحميه، فكانت هي ذلك الصدر.

تعليقات

المشاركات الشائعة