مميزة

​صلاح الدين الأيوبي: الناصر الذي روض المستحيل وأعاد للقدس وجهها العربي

الاستهلال: ليلة لم تنم فيها تكريت

​في ليلة شاتية من عام 532 هـ، كانت قلعة تكريت تشهد اضطراباً لم يألفه أهلها. ليس بسبب حصار أو حرب، بل بسبب رحيل اضطراري لأسرة "نجم الدين أيوب". وفي تلك اللحظة الحرجة، وُلد طفل أطلقوا عليه اسم "يوسف". لم يكن أحد يظن أن هذا الرضيع الذي غادر موطنه تحت جنح الظلام، سيعود يوماً ليغير خارطة العالم ويطرد جيوشاً جاءت من وراء البحار.

​نشأ يوسف (صلاح الدين) في دمشق، مدينة العلم والفروسية. لم يكن يميل في صباه إلى العنف؛ بل كان يجد لذه في حلقات الفقه والأدب. كان يراقب بصمت أستاذه وملهمه "نور الدين محمود"، ويتعلم منه أن القائد الحقيقي هو من يحكم نفسه قبل أن يحكم رعيته.

​الفصل الأول: مهمة في أرض النيل

​جاءت نقطة التحول عندما أُرسل صلاح الدين مع عمه "أسد الدين شيركوه" في ثلاث حملات متتالية إلى مصر. كانت مصر وقتها تعاني من ضعف الدولة الفاطمية وتكالب الصليبيين عليها. وجد صلاح الدين نفسه فجأة وزيراً لمصر وهو لم يتجاوز الثلاثين.

​هنا، برزت عبقريته الإدارية. لم يبدأ بالحروب، بل بدأ بتنظيف البيت من الداخل. ألغى الضرائب الجائرة التي كانت تسمى "المكوس"، وبنى القلاع والأسوار، وأسس المدارس السنية ليعيد لمصر هويتها. والأهم من ذلك، أنه بدأ ببناء أسطول بحري قوي، لإدراكه أن الصليبيين يعتمدون على البحر كشريان حياة.

​الفصل الثاني: فلسفة "الوحدة قبل التحرير"

​بعد وفاة عمه ثم وفاة معلمه نور الدين، وقف صلاح الدين أمام خيار صعب: هل يهاجم الصليبيين فوراً؟ أم يلم شتات المسلمين الممزقين بين دمشق وحلب والموصل والقاهرة؟

اختار الطريق الأصعب؛ "طريق الوحدة". قضى صلاح الدين أكثر من عشر سنوات في التنقل بين مدن الشام والعراق، يضمها الواحدة تلو الأخرى. لم يكن هدفه التوسع، بل كان يرى أن سيوفاً متفرقة لا يمكنها كسر درع صليبي واحد. تعرض لمحاولات اغتيال من طائفة "الحشاشين"، وواجه مؤامرات من بعض أمراء الحرب، لكنه كان يقابل الغدر بالصبر، والقسوة بالعفو، حتى دانت له الأرض والقلوب.

​الفصل الثالث: "أرناط" والقشة التي قصمت ظهر البعير

​بينما كان صلاح الدين يبني دولته، كان هناك رجل في الجانب الآخر يجسد كل معاني الشر؛ إنه "رينو دي شاتيون" أو "أرناط"، صاحب حصن الكرك. لم يحترم أرناط عهداً ولا ذمة، فوصل به الصلف إلى مهاجمة قوافل الحجاج المتجهة لمكة، بل وحاول غزو المدينة المنورة.

حينها زأر الأسد الأيوبي، وأقسم يميناً غليظاً: "لأقتلن أرناط بيدي هذه". كانت هذه الحادثة هي الشرارة التي أعلنت أن وقت الحساب قد حان.

​الفصل الرابع: ملحمة حطين (583 هـ)

​جمع صلاح الدين جيوشه من كل فج عميق؛ من مصر والشام والحجاز والجزيرة العربية. في شهر ربيع الآخر، وفي عز القيظ، استدرج جيش الصليبيين (الذي كان يضم زبدة فرسان أوروبا) إلى هضبة حطين.

استخدم صلاح الدين تكتيك "الأرض المحروقة"؛ حيث أمر جنوده بإشعال النيران في الحشائش الجافة المحيطة بجيش العدو. تخيل المشهد: فرسان يلبسون دروعاً حديدية ثقيلة تحت شمس تموز، يحيط بهم الدخان والنار، ويمنع عنهم ماء بحيرة طبريا القريبة.

انقض المسلمون عليهم انقضاض الصقور. انهارت القوة الصليبية التي ظن العالم أنها لا تُقهر. سقط ملك القدس "لوزينيان" وأرناط في الأسر. وحين جيء بهما إلى خيمته، سقى صلاح الدين الملك الماء البارد ليؤمنه، ثم التفت إلى أرناط وذكره بجرائمه وغدره، ثم نفذ فيه حكم العدالة بضربة سيف واحدة، ليكون عبرة لكل خائن.

​الفصل الخامس: القدس.. العودة إلى الأحضان

​طار النصر إلى كل بقاع الأرض. توجه صلاح الدين نحو القدس التي كانت في قبضة الاحتلال منذ 91 عاماً. ضرب الحصار، وبدأ المنجنيق يدك الأسوار. أدرك الصليبيون داخل المدينة أنهم لا قبل لهم بهذا الإعصار، فطلبوا الأمان.

دخل صلاح الدين القدس في يوم ذكرى "الإسراء والمعراج"، وكان دخولاً يدرس في الأخلاق. لم يُرق قطرة دم واحدة من المدنيين، ولم يهدم كنيسة، بل سمح لمن أراد الرحيل بالرحيل مع ماله ومتاعه. بل إنه رأى نساء الصليبيين يبكين أزواجهن وأبناءهن الأسرى، ففرق عليهن المال وأطلق سراح أقاربهن إكراماً لدموعهن. هذه الروح هي التي جعلت الرهبان والمؤرخين الغربيين قبل المسلمين يكتبون بمداد من ذهب عن "نبل صلاح الدين".

​الفصل السادس: قلب الأسد وصراع العمالقة

​لم تصمت أوروبا؛ فأرسلت "الحملة الصليبية الثالثة" بقيادة ملك إنجلترا "ريتشارد قلب الأسد". كانت حرباً بين عملاقين. استمر القتال سنوات، وفشل ريتشارد في استرداد القدس رغم كل قوته.

نشأت بين الرجلين علاقة فريدة؛ ففي إحدى المعارك سقط فرس ريتشارد، فأرسل له صلاح الدين جوادين أصيلين. وعندما مرض ريتشارد، أرسل له صلاح الدين طبيبه الخاص والفواكه والثلج. كانت رسالة صلاح الدين واضحة: "نحن نقاتلكم لنسترد حقنا، لكننا لا ننسى إنسانيتنا". انتهى الصراع بـ "صلح الرملة" الذي أبقى القدس إسلامية مع السماح للحجاج المسيحيين بزيارتها بسلام.

​الخاتمة: تركة الزاهد

​في عام 589 هـ بدمشق، صعدت روح القائد العظيم إلى بارئها. حين فتحوا خزانته الشخصية، ذُهل الجميع؛ لم يجدوا ذهباً ولا قصوراً، بل وجدوا "ديناراً واحداً وسبعة وأربعين درهماً". أنفق كل ما ملكه لبناء المدارس، وتحصين الثغور، وإطعام الفقراء.

رحل صلاح الدين، لكنه ترك خلفه أعظم أثر: كرامة أمة، وقدساً مطهرة، واسماً يرتجف له الظالمون حتى يومنا هذا.


تعليقات

المشاركات الشائعة