بحث هذه المدونة الإلكترونية
"نحن لا نكتب التاريخ.. نحن نوقظه." في كل شبر من هذه الأرض، هناك صرخة بطل لم تُسمع بعد، وهناك حكاية لم تُروَ بصدقها الكامل. الجزائر ليست مجرد خريطة، بل هي تراكم لآلاف السنين من العناد والمقاومة.
مميزة
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
خلافة علي بن أبي طالب من البيعة إلى الاستشهاد"الجزء الاول
سأبدأ معك الآن بـ الجزء الأول (بيعة المرتضى وأجواء المدينة بعد الفاجعة)، وسأركز فيه على التفاصيل الدقيقة التي سبقت وتلت مقتل عثمان رضي الله عنه حتى استقرار علي في الحكم.
الجزء الأول: زلزال المدينة وبيعة المرتضى
1. المشهد الجنائزي: المدينة تحت رحمة الثوار
لم يكن مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه مجرد حادث اغتيال، بل كان زلزالاً هز أركان الدولة الإسلامية. لعدة أيام بعد استشهاده، ظلت المدينة المنورة -عاصمة الإسلام- تعيش حالة من الفراغ السياسي المرعب. كان "الثوار" القادمون من الأمصار (مصر، الكوفة، البصرة) هم القوة العسكرية الوحيدة في الشوارع.
في هذا الجو المشحون، كان كبار الصحابة في حالة من الذهول والحزن. علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان قد أرسل ابنيه الحسن والحسين للدفاع عن دار عثمان، وقد تألم ألما شديداً عندما بلغه نبأ مقتله، حتى إنه عاتب أبناءه ومن كان معهم من أبناء الصحابة عتاباً شديداً.
2. البحث عن الربان وسط العاصفة
أدرك المسلمون أن بقاء الدولة بلا رأس يعني نهايتها. اتجهت الأنظار فوراً إلى علي بن أبي طالب. لم يكن هناك من يضاهيه في فضله، وقرابته من النبي ﷺ، وسابقته في الإسلام.
موقف علي الزاهد: عندما أتاه الناس قائلين: "إن هذا الرجل قد قُتل ولا بد للناس من إمام"، كان رده صادماً للكثيرين. قال: "لا حاجة لي في أمركم، فمن اخترتم رضيت به". كان علي يدرك أن الفتنة بلغت حداً لا يمكن علاجه بـ "البيعة التقليدية"، وأن النفوس قد تغيرت.
الإلحاح الشعبي: تكرر التردد عليه، وجاءه طلحة والزبير والمهاجرون والأنصار، وأكدوا له أن الإسلام في خطر وأن الفوضى ستأكل الجميع. عندها قال علي كلمته المشهورة: "إن بيعتي لا تكون خفياً، ولا تكون إلا عن رضا المسلمين وفي المسجد".
3. يوم البيعة: الجمعة التاريخية
في يوم الجمعة، دخل علي بن أبي طالب المسجد النبوي. لم يأتِ طالباً للسلطة، بل جاء "محمولاً" على أكتاف الضرورة التاريخية.
بيعة طلحة والزبير: كانا أول من بايع. يُروى أن طلحة بايع بيده التي شُلّت وهو يحمي النبي ﷺ في أُحد، فتفاءل البعض وتشاءم البعض الآخر (باعتبارها يد شلاء)، ولكن البيعة تمت ظاهرياً في جو من التوجس.
بيعة الأنصار: بايع الأنصار عن بكرة أبيهم، ورأوا في علي إعادة لروح عهد النبي ﷺ وعمر بن الخطاب.
4. التحدي الإداري: عزل الولاة
بمجرد استلامه الحكم، واجه علي معضلة كبرى: الولاة الذين عينهم عثمان.
نصحه المغيرة بن شعبة وعبد الله بن عباس (ابن عمه) بضرورة التريث. قال له ابن عباس: "أثبتهم على أعمالهم حتى يبايعوا لك ويسكن الناس، ثم اعزل من شئت".
لكن علياً، بصرامته المعهودة في الحق، رفض المداهنة السياسية وقال: "والله لا أداهن في ديني، ولا أعطي الدنيّة في أمري". أصدر قرارات فورية بعزل ولاة عثمان وتعيين ولاة جدد يثق في ورعهم وزهدهم.
5. قضية القصاص: الفتيل الذي لم ينطفئ
هنا بدأت نقطة الخلاف الجوهرية التي تسببت في كل المعارك اللاحقة.
رؤية الصحابة (طلحة، الزبير، معاوية): "اقتل قتلة عثمان أولاً، ثم نصلح شؤون الدولة".
رؤية علي رضي الله عنه: "أثبت أركان الدولة، وأسيطر على المدينة والأمصار، وأفكك جيوش الثوار، ثم أقبض على الجناة وأقيم الحد".
كان قتلة عثمان يتغلغلون في جيش علي نفسه، ولم يكن بمقدوره في الأسبوع الأول من حكمه أن يفتح جبهة حرب مع آلاف المقاتلين من الثوار وهم داخل معسكره، فكان قراره التأجيل لا الإلغاء.
6. التحشيد المعارض
بدأ المعارضون لقرار التأجيل بالخروج من المدينة. توجهت السيدة عائشة رضي الله عنها (التي كانت في الحج) إلى البصرة، ولحق بها طلحة والزبير بعد أن استأذنا علياً في الخروج للعمرة. هناك، في البصرة، بدأت تتشكل نواة "جيش المطالبة بالدم"، وهو ما وضع علياً أمام الخيار الصعب: هل يترك الدولة تتفتت أم يخرج لإعادة الأمور إلى نصابها بالقوة؟
في إطار الحديث عن الجزء الأول (مرحلة ما بعد مقتل عثمان والبيعة)، يثير "الروافض" عدة ادعاءات يحاولون من خلالها إعادة صياغة التاريخ بما يخدم معتقداتهم. والرد عليهم ليس مجرد دفاع عاطفي، بل هو استناد للحقائق التاريخية والعقلية التي نقلها الثقات.
إليك تفنيد لأهم ادعاءاتهم في هذه المرحلة:
1. ادعاء "الوصية" و"الحق الإلهي"
الادعاء: يزعمون أن علياً رضي الله عنه كان يرى نفسه "منصباً من الله" (إماماً معصوماً)، وأن الصحابة غصبوه حقه، وأنه بايع كارهاً في المرات السابقة، لكنه في هذه المرة استرد حقه المسلوب.
الرد:
رفض علي للخلافة: لو كان علي يعتقد أن الخلافة "حق إلهي" ومنصب ديني لا يجوز رفضه، لما قال للصحابة عندما جاؤوه للبيعة: "دعوني والتمسوا غيري"، ولما قال: "فإني لكم وزيراً خير مني لكم أميراً". هذا الرفض يثبت أن الخلافة عنده كانت منصباً سياسياً وشرعياً خاضعاً لشورى المسلمين ورضاهم، وليست "نبوة" مستترة.
أسلوب البيعة: علي رضي الله عنه أصر أن تكون البيعة في المسجد وبحضور عامة الناس، ولم يقل يوماً "أبايعكم لأن الله أمرني"، بل بايع استجابة لضرورة حفظ بيضة الإسلام.
2. ادعاء "المظلومية" و"الانتقام من عثمان"
الادعاء: يحاول بعض غلاة الشيعة تصوير أن علي بن أبي طالب كان "راضياً" عن مقتل عثمان أو أنه لم يدافع عنه كنوع من العقاب له، وذلك لتبرير موقف قتلة عثمان الذين انخرطوا في جيشه لاحقاً.
الرد:
الدفاع عن عثمان: الثابت تاريخياً (حتى في بعض كتب الشيعة المتقدمة مثل "نهج البلاغة") أن علياً أرسل الحسن والحسين وعبد الله بن الزبير لحماية دار عثمان. بل إن علياً قال: "والله لقد دافعت عن عثمان حتى خشيت أن أكون آثماً".
غضبه من القتل: عندما سُئل علي عن دم عثمان قال: "اللهم لم أقتله ولم آمال (أساعد) على قتله". فالتاريخ يثبت براءته التامة من دم صهره وخليفته، وهو الذي سمى ابنه (عثمان بن علي) تيمناً بعثمان بن عفان، وهذا ينسف دعوى العداوة.
3. ادعاء "تكفير أو تضليل الصحابة المعارضين"
الادعاء: يزعم الروافض أن طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة خرجوا "كفاراً" أو "منافقين" لأنهم خالفوا علي بن أبي طالب في التوقيت السياسي للقصاص.
الرد:
شهادة علي لهم: لم يكفّر علي أحداً من خصومه في الجمل وصفين. بل عندما سُئل عن أهل الجمل وصفين، قال: "إخواننا بغوا علينا". سماهم "إخواننا"، وهذا اعتراف منه بإيمانهم وفضلهم رغم الخلاف السياسي.
البشرى بالجنة: علي رضي الله عنه يعلم يقيناً أن طلحة والزبير من العشرة المبشرين بالجنة، وهو الذي قال عندما رأى طلحة قتيلاً في أرض المعركة: "عزّ عليّ أبا محمد أن أراك مجدلاً تحت نجوم السماء"، ثم مسح التراب عن وجهه وبكى. هل يفعل هذا بمن يراه كافراً أو مغتصباً؟
4. ادعاء "العصمة" في القرارات الإدارية
الادعاء: يصورون أن قرارات علي (مثل عزل الولاة فوراً) كانت وحياً لا يخطئ، ومن خالفه فقد خالف الله.
الرد:
الشورى والاجتهاد: الحقيقة أن علياً كان "مجتهداً" في قراراته. الصحابة الكبار مثل ابن عباس نصحوه بالتريث في عزل ولاة عثمان (ومنهم معاوية) حتى تستقر الأمور، لكن علياً اختار العزيمة والشدة في الحق. هذا خلاف "سياسي واجتهادي" وليس خلافاً بين حق مطلق وباطل مطلق. علي كان يرى الصرامة، وغيره كان يرى الحكمة والسياسة، وكلاهما كان يقصد مصلحة الإسلام.
الخلاصة في الرد:
إن مذهب أهل السنة والجماعة هو المذهب الذي يحفظ لعلي فضله وقدره دون "تأليه" أو "ادعاء عصمة"، وفي الوقت نفسه يحفظ للصحابة كرامتهم دون "تخوين".
علي بن أبي طالب كان إمام هدى، تولى الحكم في أصعب ظرف تاريخي، واجه الفتنة بقلب المؤمن وشجاعة الفارس، وكان أحرص الناس على وحدة الصف، وما وقع من خلاف مع غيره من الصحابة كان "فتنة" عصم الله منها سيوفنا، فنطهر منها ألسنتنا، معتقدين أن المصيب منهم له أجران والمخطئ له أجر الاجتهاد.
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
المشاركات الشائعة
أحرق سفنه ليعبر بالتاريخ: القصة الكاملة لطارق بن زياد التي لم تسمعها من قبل.
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
طالوت وجالوت: حين تكسر إرادة الفتى جبروت الطغاة
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى

تعليقات
إرسال تعليق